الشنقيطي
79
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وظنهم أن الآخرة كالدنيا ينعم عليهم فيها أيضا بالمال والولد ، كما أنعم عليهم في الدنيا - جاء مبينا في آيات أخر ، كقوله في « فصلت » : وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى [ فصلت : 50 ] ، وقوله في « مريم » : أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً ( 77 ) [ مريم : 77 ] وقوله في « سبأ » : وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ( 35 ) [ سبأ : 35 ] . وقوله في هذه السورة الكريمة : فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً ( 34 ) [ الكهف : 34 ] . وبين جل وعلا كذبهم واغترارهم فيما ادعوه : من أنهم يجدون نعمة اللّه في الآخرة كما أنعم عليهم بها في الدنيا في مواضع كثيرة ، كقوله : أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ ( 55 ) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ [ المؤمنون : 55 - 56 ] ، وقوله سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ( 182 ) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ( 183 ) [ الأعراف : 182 - 183 ] ، وقوله وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ( 178 ) [ آل عمران : 178 ] ، وقوله : وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى [ سبأ : 37 ] الآية ، وقوله تعالى : ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ ( 2 ) [ المسد : 2 ] إلى غير ذلك من الآيات . وقوله : مُنْقَلَباً ( 36 ) أي مرجعا وعاقبة . وانتصابه على التمييز . وقوله : لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها قرأه ابن عامر ونافع وابن كثير « منهما » بصيغة تثنية الضمير . وقرأه الباقون « منها » بصيغة إفراد هاء الغائبة . فالضمير على قراءة تثنيته راجع إلى الجنتين في قوله جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ [ الكهف : 32 ] ، وقوله : وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً ( 18 ) [ الكهف : 18 ] . وعلى قراءة الإفراد راجع إلى الجنة في قوله : وَدَخَلَ جَنَّتَهُ الآية . فإن قيل : ما وجه إفراد الجنة مع أنهما جنتان ؟ فالجواب - أنه قال ما ذكره اللّه عنه حين دخل إحداهما ، إذ لا يمكن دخوله فيهما معا في وقت واحد . وما أجاب به الزمخشري عن هذا السؤال ظاهر السقوط ، كما نبه عليه أبو حيان في البحر . قوله تعالى : قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ( 37 ) لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً ( 38 ) [ 37 - 38 ] . بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن ذلك الرجل المؤمن المضروب مثلا للمؤمنين ، الذين تكبر عليهم أولو المال والجاه من الكفار ، قال لصاحبه الآخر الكافر المضروب مثلا لذوي المال والجاه من الكفار ، منكرا عليه كفره - أكفرت بالذي خلقك من تراب ، ثم من نطفة ، ثم سواك رجلا ، لأن خلقه إياه من تراب ثم من نطفة ، ثم تسويته إياه رجلا ، كل ذلك يقتضي إيمانه بخالقه الذي أبرزه من العدم إلى الوجود ، وجعله بشرا سويا ،